يكتب الصحفي حسام الحملاوي في ذكرى ثورة 25 يناير 2011 عن الكيفية التي أعادت بها السلطة المصرية تعريف تلك اللحظة التاريخية، لا كفعل شجاعة جماعية أو أفق سياسي مفتوح، بل كجريمة مكتملة الأركان. يستحضر الحملاوي في نصه روح كتابه المرتقب الثورة المضادة في مصر: جمهورية السيسي الجديدة، وينطلق من فكرة مركزية تقول إن الثورة لم تفشل لأنها ساذجة، بل لأنها أخافت الدولة إلى حد دفعها لإعادة اختراع نفسها.
يرد هذا النقاش ضمن مادة نشرها الكاتب عبر موقع فيرسو بوك، حيث يربط بين الذاكرة العامة للثورة وبين السردية الرسمية التي تهاجمها كل عام، لا بوصفها حدثًا من الماضي، بل كخطر دائم يجب تشويهه وتحذير المجتمع منه.
تشويه الثورة كسلاح سياسي
تتعامل وسائل الإعلام الرسمية مع 25 يناير كاتهام لا كذكرى. تصفها كمؤامرة خارجية، وكفعل خيانة هدد الدولة وفتح أبواب الفوضى. في هذا السرد، تختفي شعارات العيش والحرية والعدالة الاجتماعية، ويحل محلها خطاب أمني يصوّر الثورة كمرض دخيل يجب استئصاله. لا يأتي هذا التشويه عرضًا، بل يشكّل حجر الأساس في بنية الحكم الحالية.
يعيد الخطاب الرسمي تدوير مشاهد الأرشيف لا بهدف التوثيق، بل بهدف الإدانة. يستخدم اللغة كسلاح، فيحوّل الاحتجاج إلى تخريب، والمعارضة إلى عدوى مستوردة. لا يسعى هذا المسار إلى نقاش تاريخي، بل يهدف إلى الردع، وإلى ضبط الحاضر عبر تخويف المجتمع من تكرار الماضي.
الثورة المضادة كعملية منظمة
ينطلق كتاب الحملاوي من فرضية واضحة: الثورة لم تغلق فصلًا، ولم تنتهِ كحلم رومانسي، بل كشفت هشاشة الدولة إلى درجة أجبرتها على إعادة بناء منظومتها بالكامل. لا يصف ما حدث بوصفه مجرد قمع أو عودة إلى نظام مبارك، بل كإنشاء نظام جديد يقوم على الترقب الدائم للتمرد، وعلى قناعة راسخة بأن الشعب ذاته يمثّل الخطر الأكبر.
يرفض الكاتب التعامل مع الثورة المضادة كارتجال أو رد فعل غاضب. يراها عملية تخطيط وتنسيق وتعلّم مؤسسي، هدفها إغلاق المجال السياسي بصورة منهجية. في هذا السياق، يتعامل مع الأجهزة الأمنية كمؤسسات لها تاريخها وصراعاتها الداخلية وطموحاتها الخاصة، لا ككتلة صماء واحدة.
يكشف التحليل كيف دفعت الثورة هذه المؤسسات المتنافسة—الجيش والشرطة وأجهزة المخابرات—إلى التحالف ضد تهديد مشترك. لم يكن هذا التهديد حزبًا أو فصيلًا أو يدًا خارجية، بل انهيار الخوف ذاته، ذلك العنصر الذي قام عليه النظام لعقود.
قبل 2011: الخوف كحالة يومية
يعود النص إلى ما قبل الثورة ليشرح كيف حكمت الدولة المجتمع عبر شبكة كثيفة من القهر اليومي. لم يظهر العنف فقط في حالات الطوارئ، بل تسلل إلى تفاصيل الحياة العادية: توقيفات الشرطة، الاعتقال العشوائي، الإهانة الروتينية، والتهديد الدائم بالتعذيب داخل أقسام الشرطة التي عملت كمختبرات إخضاع أكثر من كونها مؤسسات عدالة.
لم يكن التعذيب استثناءً، بل أداة تأديب. فرض التسلسل الهرمي الاجتماعي وذكّر المواطنين بمواقعهم. استهدف القمع فئات بعينها، خاصة من يفتقرون إلى المال أو النفوذ أو الحماية. لم يتوزع القمع بالتساوي، بل جاء منظمًا ومألوفًا ومقبولًا ضمنيًا.
في هذا النظام، لم تعمل الشرطة كذراع تنفيذية فحسب، بل كفاعل سياسي شريك في الحكم، مستثمر في الحفاظ على نظام اجتماعي يقوم على الخوف. جاءت سلطة وزارة الداخلية يومية وحميمة وجسدية، لا نظرية أو بعيدة.
كشفت ثورة 2011 هذا البناء الهش. عندما تجاوزت الحشود خطوط الشرطة، واحترقت الأقسام، وتراجع الضباط، انهارت أسطورة السيطرة المطلقة. لم تتحدَّ الثورة السلطة فقط، بل عرّت هشاشتها، وأظهرت أن الخوف، حين يسقط، يسحب معه كامل البنية التي استندت إليه.
http://versobooks.com/en-gb/blogs/news/the-counterrevolution-against-25-january

